جمال الدين بن نباتة المصري

4

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وجسّاسا إنما قتله بأنفتك ، ومهلهلا إنّما طلب ثأره بهمّتك ، والسّموءل إنّما وفي عن عهدك ، والأحنف إنّما احتبى في بردك ، وحاتما إنما جاد بوفرك ، ولقى الأضياف ببشرك ، وزيد بن مهلهل إنما ركب بفخذيك ، والسّليك ابن السّلكة إنّما عدا على رجليك ، وعامر بن مالك إنّما لاعب الأسنّة بيديك ، وقيس بن زهير إنما استعان بدهائك ، وإياس بن معاوية إنّما استضاء بمصباح ذكائك ، وسحبان إنّما تكلّم بلسانك ، وعمرو بن الأهتم إنما سحر ببيانك ، وأنّ الصّلح بين بكر وتغلب تمّ برسالتك ، والحمالات بين عبس وذبيان أسندت إلى كفالتك ، وأنّ احتيال هرم لعلقمة وعامر حتى رضيا كان ذاك عن إشارتك ، وجوابه لعمر - وقد سأله عن أيّهما كان ينفّر - وقع عن إرادتك ، وأنّ الحجّاج تقلّد ولاية العراق بجدّك ، وقتيبة فتح ما وراء النّهر بسعدك ، والمهلّب أوهن شوكة الأزارقة بأيدك ، وفرّق ذات بينهم بكيدك ، وأنّ هرمس أعطى بلينوس ما أخذ منك ، وأفلاطون أورد على أرسطاطاليس ما نقل عنك ، وبطليموس سوّى الأسطرلاب بتدبيرك ، وصوّر الكرة على تقديرك ، وبقراط علم العلل والأمراض بلطف حسّك ، وجالينوس عرف طبائع الحشائش بدقّة حدسك ، وكلاهما قلّدك في العلاج ، وسألك عن المزاج ، واستوصفك تركيب الأعضاء ، واستشارك في الدّاء والدّواء ، وأنّك نهجت لأبى معشر طريق القضاء ، وأظهرت جابر بن حيّان على سرّ الكيمياء ، وأعطيت النّظّام أصلا أدرك به الحقائق ، وجعلت للكندىّ رسما استخرج به الدّقائق ؛ وأنّ صناعة الألحان اختراعك ، وتأليف الأوتار والأنقار توليدك وابتداعك ، وأنّ عبد الحميد بن يحيى بارى أقلامك ، وسهل بن هارون مدوّن كلامك ، وعمرو بن بحر مستمليك ، ومالك بن أنس مستفتيك ، وأنّك الّذى أقام البراهين ، ووضع القوانين ، وحدّ الماهيّة ، وبيّن الكيفيّة والكمّية ،